السيد عباس علي الموسوي

271

شرح نهج البلاغة

أمواله ويسلبون كرامته ويدوسون مقدساته فهذا من أعجز الناس فكرا ومنطقا وقوة لا يملك قلبا شجاعا ولا قوة يواجه بها جبروت الظالمين وفي هذا الكلام حث على أن لا يكونوا كذلك . . ( أنت فكن ذاك إن شئت فأما أنا فو اللّه دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفية تطير منه فراش الهام وتطيح السواعد والأقدام ويفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء ) بعد أن بين أن الأقوياء والشرفاء لا يسلمون أنفسهم إلى أعدائهم ليمارسوا عليهم أنواع الذل والقهر أبي لنفسه أن يكون من أولئك الضعفاء الذين استسلموا للأعداء وخاطب من تقبل نفسه ذلك بأنك أنت إذا اخترت أن تكون ذلك الذي يمكّن عدوه من نفسه فأنت وشأنك وما اخترت ، تختار الذل فأنت وما تختار تتحمل مسؤولية نفسك وتختار ما تريد من أنواع الذل أما أنا علي بن أبي طالب فلن أمكن أعدائي مني ولن أقبل أن أدفع إليهم بنفسي يمارسون ما يشاءون من إذلال عليها وقهر واضطهاد ، . . لا يكون ذلك بل سأعطيهم السيف الذي به تطير رؤوسهم وتنفصل سواعدهم وأقدامهم وبعد هذه المقاومة ليكن ما يريد اللّه وما يشاء أغلب أم أغلب . . فهو عليه السلام أخذ على نفسه وعلمنا كيف تكون الصلابة في مواجهة الباطل وإن العاقل لا يعطي عدوه شيئا يمكنه به من نفسه بل يبذل قصارى جهده في مواجهته ويدفعه بكل وسيلة حتى لو كانت المقارعة بالسيوف التي تنال الرؤوس والأطراف . . ( أيها الناس إن لي عليكم حقا ولكم عليّ حق فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ) الحقوق بين الحاكم والمحكوم متبادلة فليس الحاكم طاغوتا يتحكم في رقاب الناس ويمارس عليهم ما يشاء وما يحب دون ضوابط تحكم تصرفاته وتحد من صلاحياته ، بل إنه محكوم لقانون شرعي لا يخرج عنه أو يتعداه وهو بعد ذلك كله مسؤول عن رعيته ويذكر الإمام جملة من هذه الواجبات والمسئوليات فأولها النصيحة للرعية بأن يتوخى لهم ما ينفعهم ويفيدهم فيرشدهم إليه ويأمرهم به وينصحهم بممارسته والقيام به ، فيدلهم على الطريق السليمة التي يسعدوا بها في دنياهم وآخرتهم . . ( وتوفير فيئكم عليكم ) وهي أموال المسلمين وما جنته سيوفهم تكون لهم فلا يصرفها الحاكم في شهواته وقراباته كما فعل ذلك الخليفة الثالث فأثار المسلمين عليه وكانت من جملة الأسباب التي دعت للتخلص منه . . ففيء المسلمين وما في بيت المال هو للمسلمين يقسم بينهم بالسوية وقد كانت سيرة الإمام مع ابن أمه هي نفسها التي أجراها مع جميع المسلمين وعليهم دون تفاوت أو تمييز . .